لأهمية صناعة الحديد والدور الذي تلعبه المصانع الوطنية في توفير الإنتاج المحلي والارتقاء به، كان لنا هذا الحوار مع الشيخ محمود سعيد بغلف حول مجموعة مصانعهم، وأهم المنتجات التي تفتخر المصانع بإنتاجها:
س. لو حدثتنا عن مجموعة المصانع التي لديكم، ودورها في زيادة الإنتاج المحلي.
إن شركة (بغلف الظافر) للصناعة المحدودة هي إحدى شركات مجموعة بغلف الظافر القابضة، وهي تعد من الشركات الرائدة في المملكة العربية السعودية في مجال صناعة الحديد على البارد، حيث تأسست في العام 1978م في مدينة الدمام في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، ودشن مصنعها الأول المغفور له بإذن الله الشيخ أحمد محمد بغلف - يرحمه الله ـ بطاقة إنتاجية قدرها 81 ألف طن في العام، وما لبث المصنع أن قفز خلال ثلاثة أعوام قفزات ضخمة، حيث بلغ المصنع في العام 1981م أقصى طاقته الإنتاجية وبتوسع شامل في أنواع المنتجات التي لبت حاجة السوق السعودية من تلك الأصناف، وقفزت طاقته الإنتاجية السنوية إلى 124 ألف طن.
إلا أن حاجة السوق السعودية لا تزال كبيرة لطرح المزيد من منتجات هذا المصنع، وخاصة في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية؛ وهو ما دعا المؤسس الشيخ أحمد محمد بغلف - يرحمه الله ـ إلى اتخاذ قرار بتأسيس المصنع الثاني في مدينة جدة، الذي تم افتتاحه في عام 1993م وفقاً لأحدث أساليب الإنتاج من نظم إدارية متطورة ومعدات حديثة ونظم رقابة وجودة وسيطرة وخطوط إنتاج تغطي حاجة السوق السعودية من مختلف أشكال منتجات الحديد التي تصنع على البارد.
س. ما نوع العمالة بالمصانع، وما نسبة السعوديين بها؟
لعله من المسلم به أن القطاع الصناعي في المملكة العربية السعودية يعاني من قلة توافر العمالة الوطنية المدربة التي تستطيع أن تسهم في شتى قطاعات التنمية الصناعية، وهو ما يجعل المنشآت الصناعية في المملكة تلجأ إلى العمالة الوافدة المدربة، وفي مصانعنا نعمل بجد لإحداث التوازن بين العمالة الوافدة والعمالة الوطنية وذلك بتبني الكفاءات السعودية وتدريبها وتمكينها من تقلد المناصب المتقدمة، وعليه ومن خلال توجيهات الإدارة العليا للمجموعة وعبر إدارتنا العليا في التدريب والجودة، قمنا بفتح آفاق التواصل مع صندوق تنمية الموارد البشرية من أجل استقطاب الكوادر السعودية الواعدة، حيث صممت لهذه الكوادر برامج التدريب الطموحة لجعل هؤلاء الأفراد متمكنين وقادرين على تولي المناصب المتقدمة.
س. هل تتراجع أسعار الحديد بالسعودية أم ترتفع في الفترة المقبلة، وما الأسباب من وجهة نظرك في تذبذب الأسعار أو ارتفاعها المتواصل؟
إن المتابع المحترف لسوق الحديد الداخلية في المملكة العربية السعودية وكذلك السوق العالمية، سيجد أنه من الصعوبة بمكان فصل ما يجري في سوق الحديد العالمية وما تتعرض له السوق الداخلية من تذبذبات وتقلبات حادة، وبالتالي فإن تأثيرات السوق العالمية للحديد سيكون لها الأثر الكبير في تقلبات أسعار الحديد في الداخل، حيث إن الخبراء المتابعين لسوق الحديد العالمية يتوقعون توجه الأسعار إلى الارتفاع بما لا يقل عن 50% خلال هذا العام 2010م يدعم ذلك استمرارية طلب السوق الصينية من حديد الصلب، التي لا يتوقع أن تتراجع في القريب المنظور، كما أن محفزات الطلب على سوق الحديد في الداخل لا تزال كبيرة؛ ما سيكون لها أثر كبير في دعم هذا التوجه التصاعدي بالإضافة إلى الفجوة الكبيرة بين العرض والطلب، التي لا يتوقع أن تتقلص في القريب المنظور.
س. ما الأثر الذي عاد على أصحاب المشروعات الصناعية بمنح تراخيص تصدير الصلب بمصانع محلية؟
لا شك أن ما مرت به الأسواق من جراء الأزمة المالية العالمية وما نتج منها من ركود في الأسواق، ساهم بشكل كبير في انهيار أسعار حديد الصلب العالمية، كما أن منع التصدير الذي اتخذت قراره حكومة المملكة العربية السعودية متمثلة في وزارة التجارة وبتوجيه وتحسس من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز- يحفظه الله ـ لحاجات مواطني هذا البلد رغبة منه ـ حفظه الله ورعاه ـ في كبح جماح الأسعار، وهو ما كان له بالفعل الأثر الكبير في تراجع الأسعار إلى المستويات المقبولة للمستهلكين، إلا أنه وبالتزامن الذي حدث مع ما أصيبت به الأسواق من تأثيرات الأزمة المالية والركود الذي ضرب شتى مناحي الحياة الاقتصادية لحق الضرر كثيراً بالمنتجين المحليين، وهذا القرار مما لا شك فيه يأتي اليوم ليُحدث التوازن الرائع بين حاجات المستهلكين والمنتجين.
س. علمنا أن البرازيل خفضت أسعار المواد الخام الداخلة في صناعة الحديد، هل سينعكس ذلك على أسعار الحديد في السعودية على الرغم من السماح لشركات محلية بالتصدير؟
سبق أن قلت في إجابة سابقة إن هناك عوامل داخلية وخارجية تتحكم بسوق الحديد، وإن هذه العوامل تتفاوت في درجة تأثيرها على الأسعار، وبالتالي فإن تأثير أي تخفيض في أسعار المواد الخام الداخلة في صناعة الحديد سيكون تأثيره محدوداً في مواجهة العوامل الأخرى المحفزة لتنامي الأسعار وخاصة في القريب المنظور على الأقل، وبالتالي فإني أعتقد أن المنحنى التصاعدي للأسعار سيكون هو المهيمن على الأسواق، غير أنه لن يكون بالحدة التي كان عليها في العام 2008م؛ فصانع القرار قد استفاد من تلك التجربة؛ ما سينعكس على مدى حدة مثل هذه الارتفاعات المتوقعة، وما نلمسه اليوم ونتابعه من إجراءات صارمة تنتهجها الجهات الرقابية في المملكة تجاه احتكار الحديد وتخزينه إلا مثال على ما تضعه الدولة ـ يحفظها الله ـ من إجراءات وقائية حتى لا يتكرر ما حدث في الأزمة الماضية.
ارتفاع أسعار المعادن عموماً بشكل حاد في الفترة الأخيرة، ما أثر ذلك على المنتج والمستهلك من وجهة نظركم؟
لعله من المؤكد الآن أن الأزمة المالية العالمية التي ضربت العالم قد تركت آثارها العميقة على مجمل الحياة الاقتصادية العالمية، حيث أعاد كثيراً من الفاعلين في الأسواق صياغة استراتيجياتهم الاستثمارية ومن أبرزها البحث عن الملاذات الاستثمارية الآمنة، والتي تمثلت في التوجه الحاد نحو المعادن، حيث بلغ سعر الذهب رقماً قياسياً غير مسبوق في ديسمبر من العام 2009م؛ ما جعل أسواق السلع الاستهلاكية تتوجس من تصاعد أسعار السلع الأساسية وانعكاسات ذلك على الفرد العادي وخاصة في البلدان النامية.
ولعل المواطن في المملكة العربية السعودية يلمس حجم المجهودات الجبارة التي تبذلها الدولة ـ حفظها الله ـ من أجل تحييد المواطن السعودي عن مثل هذه الآثار المدمرة لمثل هذه التقلبات السوقية.
س. هل تخشى السوق المحلية من فتح باب التصدير، وهل للرقابة دور في ذلك؟
إن وجود حالة من التوازن بين العرض والطلب لهو مطلب ملح في هذه الفترة في ظل عدم التوازن المحلي بين الأمرين؛ فمن الثابت أن الطلب يفوق كثيراً ما هو معروض الآن وفتح باب التصدير دون وجود ضوابط ملزمة تمارسها الجهات الرقابية لا شك أنه سيؤدي إلى زيادة هذه الفجوة بين العرض والطلب، وهو ما سيجعل الأسعار مرشحة للزيادة.
س. هل يوجد خلل بين العرض والطلب في السوق المحلية؟
لقد ألمحت إلى ذلك في إجابة السؤال الماضي، وهذا الخلل لا شك أنه موجود وتعاني منه السوق المحلية على الأقل في الوقت الحالي، حيث إن هناك توقعات ومتابعات ترى أنه وخلال ثلاث سنوات سيزيد حجم الإنتاج بما يفوق حجم الاستهلاك، وربما تشهد السوق السعودية في العام 2013م فائضاً في الإنتاج سيؤدي بلا شك إلى استقرار السوق.
س. هل الإنتاج المحلي يكفي لحاجة السوق الاستهلاكية؟ وما دور المصانع والشركات المحلية في زيادة الإنتاج الوطني وارتفاع الاقتصاد وزيادة دخل الفرد؟
أعتقد أنه متى ما وجدت العدالة السعرية بين كل من المصنع والتاجر في ظل قانون العرض والطلب، فإن السوق المحلية ستكون على موعد مع الاستقرار والاكتفاء وهو ما سيدفع المصانع إلى تشغيل أقصى قدراتها الإنتاجية رغبة في المنافسة متى ما تقلصت الفروقات الكبيرة في الأسعار بين صانعي السوق، وهو المطلب الذي تنادي به شريحة كبيرة من المراقبين.
س. برأيك هل الأزمة المالية لا تزال مستمرة أم أنها باتت على أبواب الانفراج؟
كان من الواضح جداً أن العالم استفاد كثيراً من الأزمة العالمية التي ضربت العالم في الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث انعكس ذلك على المرونة التي تلقى بها العالم نتائج الأزمة المالية الأخيرة، ومن المدهش جداً هذا الإحتواء السريع لهذه الأزمة ومحاصرتها والحد كثيراً من آثارها المدمرة، غير أن الآثار النفسية المدمرة التي تركتها هذه الأزمة على الأسواق لن تتعافى سريعاً؛ فالمسألة اليوم تدور حول الثقة بالاقتصاد العالمي وبأدوات ومحاضن الاستثمار التي ستحتاج إلى وقت أعتقد أنه ليس بالقصير حتى تتعافى تماماً،
س. ما تقييمك للخطوات التي يقوم بها البنك المركزي لدعم السياسة النقدية والاقتصاد بشكل عام؟
لقد أجمع غالبية الخبراء الاقتصاديين في العالم على الحنكة السياسية والاقتصادية التي تتمتع بها قيادة هذا البلد والتي أسهمت إسهاماً كبيراً في تجنيب المملكة العربية السعودية كثيراً من الأزمات الخانقة التي كان من الممكن أن تقع بها لولا النظرة الثاقبة والقدرة الاحترافية لقيادات هذا البلد، وليس أدل على ذلك من محدودية تأثير الأزمة المالية العالمية على سير الحياة الاقتصادية والاجتماعية على حياة المواطنين والمقيمين في هذا البلد.
إن سياسة البنك المركزي والمتمثل في مؤسسة النقد العربي السعودي التي ترتكز على سياسة استقرار سعر الصرف للعملات، حيث إن سعر صرف الريال السعودي مستقر وثابت بالنسبة للدولار الأمريكي أدى إلى الشعور بالثقة والأمان من قبل شرائح المستثمرين والمتعاملين في الأسواق.
س. ما أبرز الدروس المستفادة من الأزمة الحالية؟
إن الدروس المستفادة من هذه الأزمة الأخيرة كثيرة وكبيرة جداً لعل من أهمها وأبرزها هو ضرورة أن تبنى اقتصاديات الدول على أساس متين وفقاً لقواعد منظمة تستقى من أسس التشريعات السماوية التي أوجدها الله لتنظيم حياة البشر؛ فالتوازن بين حاجات الفرد ومصالح الجماعات أمر لا بد من مراعاته عند سن القوانين والتشريعات، كما أن من أهم الدروس التي تستفاد من هذه الأزمة هو عدم الإفراط في الثقة في الأسواق الأجنبية ويجب العودة والهجرة إلى الداخل في ظل حالة التوازن التي ما زالت تمارسها بعض الدول وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، حيث تراعي سياساتها الاقتصادية مصالح جميع الأطراف في العملية الاستثمارية، وهو ما ظهرت نتائجه الإيجابية في الانهيار الأخير.
س. ما أبرز المعوقات التي يواجهها قطاع الصناعة؟
لعل التحدث في هذا المجال يحتاج إلى مساحات واسعة من الورق؛ فالمعوقات التي يواجهها القطاع الصناعي في المملكة العربية السعودية كثيرة ومتنوعة، فمنها ما يتعلق بنظم المؤسسات العامة، ومنها ما يتعلق بعقلية القطاع الخاص وفرصه، و لعل من أبرز هذه المعوقات محدودية الدخول للمنافسين الجدد في شتى قطاعات الصناعة؛ ما ينعكس سلباً على درجة التأثير في الأسعار نظراً لمحدودية الإنتاج.
كما أن هناك عوائق تتعلق بالتمويل لرأس المال الإبتدائي، وهناك عوائق تتعلق بكيفية التعامل مع الفائض من المنتجات وكذلك ما يتعلق بالواردات من السلع المماثلة والسياسة السعرية للحد من الفروقات بين شرائح المنتجين وغيرها الكثير.
س. القطاع الصناعي هو الخيار الإستراتيجي الأمثل لزيادة دخل الدولة بعد البترول.، فما توقعاتك المستقبلية لقطاع الصناعة؟
أعتقد أنه ينتظر هذا القطاع في السنين القليلة القادمة طفرة كبيرة في استراتيجيات التوجه نحوه كخيار استراتيجي ووحيد؛ فصانع القرار في المملكة العربية السعودية أصبح الآن يرى أن الضوء في آخر النفق سيكون لقطاع التصنيع وأنه من الخطأ جداً الاعتماد على النفط كلاعب وحيد في خطط وإستراتيجيات التنمية الطموحة.
التاريخ/ 4 جمادي الآخر 1431هـ.
المصدر/ الصناعة السعودية.