محمد فراج
ظلَّ التقدم الاقتصادي في المفهوم العالمي مرتبطاً بمدى قدرة المجتمع على حسن استغلال المادة الخام وكافة الموارد الطبيعية عبر مرحلتي الصناعات الوسطية والنهائية، ولعل هذا الأمر هو الذي يجعل الفجوة واسعة بين الاقتصادات الغربية والعربية.
ومن هذا المنطلق كان خيار التصنيع هو الركيزة الأساسية التي من خلالها نستطيع أن نحقق طموحاتنا الاقتصادية والتنموية المستقبلية، فالصناعة تعد القطاع الاقتصادي الأول الذي يمكن أن يحقق دعماً قوياً للدخل الوطني، بل إن هذا القطاع هو الوحيد المهيأ لذلك مستقبلاً، وهذا من منطلق أن المملكة العربية السعودية تحظى بذخيرة وفيرة من المواد الخام المتنوعة، إذ يوجد لدينا بعض المواد الخام المعدنية وغيرها، هذا بالإضافة إلى المنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها؛ ما يدعونا إلى التفكير فيها ملياً لاستغلالها واستثمارها بشكل أفضل، لأنها تمثل لبنة أساسية ودعامة متينة لإنشاء أنواع كثيرة ومتعددة من الصناعات القابلة للتصدير، ولأن هناك آفاقاً مفتوحة أمام الصادرات الصناعية السعودية، في الأسواق العالمية.
إن توافر ثرواتنا المعدنية وكذلك ثرواتنا البترولية يمثل ميزة رائدة وأساسية، ودعامة لا تتوافر في كثير من البلاد الصناعية المختلفة، بالإضافة إلى أنها عامل وصمام أمان يدفع بعجلة التنمية قدماً، ويسهم في التغلب على كافة المعوقات التي تعترض عالمنا الصناعي، ولا شك أن ذلك أثمر في إيجاد صناعة متقدمة جداً وقادرة على المنافسة والتميز وفرض الذات، حتى أتى اليوم الذي تصدّر فيه منتجات المملكة العربية السعودية من الحديد إلى أمريكا، ومنتجات الزهر إلى بولندا، والمنتجات البتروكيماوية إلى أكثر من 70 بلداً في العالم، وأن تتجاوز مبيعات الصناعة الوطنية في عام واحد 500 مليار ريال سعودي.
وإذا نظرنا إلى مستقبلنا التنموي العام فإننا نجد أن الواقع الصناعي يدعم اتجاهات معينة ربما تختلف كثيراً عن العهود السابقة، ومن أبرز هذه الاتجاهات:
أولاً، الاهتمام المتزايد بالصناعات التصديرية بدلاً من التركيز المفرط على الواردات، والتحول المستمر نحو الصناعات الثقيلة والأساسية بدلاً من الاكتفاء بالتركيز على الصناعات الخفيفة والاستهلاكية، بالإضافة إلى إيجاد بنية أساسية لتصدير المنتجات الوطنية والتوسع في نظام الحوافز الموجهة لتنشيط صادرات الصناعة المحلية.
ثانياً، خيار الصناعة والتصدير هدف استراتيجي فاعل، يسعى للنهوض بالدخل الوطني واستغلال طاقات الشباب الواعد، واستيعاب الزيادة السكانية، بالإضافة إلى تحقيق تنمية مستدامة متوازنة، بحيث تكون الصناعة القطاع القائد والرائد لمثل هذه التنمية.
وفي هذه المرحلة التي تخطو فيها المملكة بجدية نحو تنمية اقتصادية على مستوى دولي، فإن التصنيع سيظل الخيار الاستراتيجي الأمثل للإسراع في تحقيق أهداف هذه التنمية، وإنجاز كافة الطموحات على مستوى الفرد والمجتمع، وذلك مع تشكل مناخ اقتصادي مستقبلي يتسم بالانفتاح وشدة المنافسة وازدياد وتيرة المستجدات الاقتصادية والمعلوماتية والتقنية وغيرها من سمات العولمة رغم العديد من التحديات التي تواجهها جميع الاقتصادات وقطاعات الأعمال في العالم، ومن ثم تتشكل تحديات كبيرة لمستقبل القطاع الصناعي في المملكة، التي تستوجب تطوير القدرات التنافسية للمنتجات الوطنية، والارتقاء بالقدرة التنافسية إلى مستوى العالمية لمنتجات الصناعة السعودية، وذلك من أجل التوسع في كسب حصص كبيرة في أسواق التصدير العالمية، بالإضافة إلى المحافظة على حصص الأسواق المحلية وتعزيزها، ورفع معدلات الإنتاجية والجودة إلى المستويات القياسية العالمية، وذلك لمواكبة التطورات في الأسواق العالمية، وهذا ما يحتم الاهتمام بمهارات ونوعية القوى العاملة الصناعية ومراكز إعدادها، لأنها من العوامل الحاسمة في إطار تطور التنمية الصناعية والمقدرة التنافسية للصناعات المختلفة، التي تستوجب وضع استراتيجية صناعية واعدة، ترتقي بالصناعة الوطنية إلى المستوى العالمي.