0 ارسل لصديق 0 طباعة 0 المفضلة
أرسل لصديق
المرسل إليه:
اسم الصديق*
بريد الصديق*
الراسل:
اسم الراسل
بريد الراسل
* يشير إلى حقل مطلوب
مقالات
0 السعودية: نحو «مجتمع صناعي إنتاجي» 
 
زين العابدين الركابي

 

إنتاج سيارة غزال-1 في السعودية

إنتاج السيارة «غزال 1» في السعودية: رمز حي وطموح بإمكان تحول البلاد من «مجتمع الاستهلاك» إلى «مجتمع الإنتاج»، أي رمز إلى إمكان التفكير العلمي، والإرادة الوطنية، ومباشرة التخطيط والتنفيذ، ورؤية الإنجاز وملامسته.. وهو رمز حي - كذلك - على إحراز أنصبة من «التقدم» - بمقياس العصر.. فمن تجربة أوروبا - وغيرها - : يتأكد أن «التصنيع» كان أقوى مؤشر، وأعظم برهان على «التقدم البشري» في المجال الدنيوي أو في حقل «الكونيات».

ويقتضي التوثيق التاريخي: التذكير بأن قضية التصنيع في البلاد قد ظفرت بـ«تنبه مبكر» من رائد النهضة ومؤسسها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود. فقد التفت هذا الرجل الفذ إلى جدوى التصنيع و«ضرورته».. ومما قاله في ذلك: «آن الأوان لأن يتعلم العرب الاقتصاد، وأن يسيروا في حياتهم على قواعده».. ولقد قرن قوله بالفعل. فمنذ أكثر من 70 عاماً أمر -مثلاً- بتأسيس «الشركة العربية للتوفير والاقتصاد». وكان من أبرز نشاطاتها الصناعية: إقامة مصنع لأنواع كثيرة من المنتوجات. وإقامة مصنع متخصص في الإنشاءات العمرانية، وشجع المواطنين على إنشاء شركة الكهرباء السعودية «والكهرباء روح الصناعة».. وتتابعت بعد ذلك خطوات التصنيع في مجالات: الدباغة، وصناعة الأحذية والمصنوعات الجلدية، والثلج، وصيانة السيارات، والصناعات الكيماوية ومنها «دار الصناعة الكيماوية لصناعة الصابون».

وتزداد جهود الملك عبد العزيز قيمة وتألقا حين نعلم أن نهضته التصنيعية هذه نشأت في مجتمع «يغلب» عليه الاستنكاف من «العمل الحرفي» أو المهني «وهي عادة عربية قديمة عالجها القرآن - مثلا - بتقديم نماذج لرجال صالحين كبار يمارسون هذه الأعمال الصناعية منهم: النبي داوود عليه السلام، والرجل الصالح ذو القرنين رضي الله عنه».. لقد كان على المؤسس الرائد أن يقوم بعمل مركب في وقت واحد: تحرير القوم من عادات الاستنكاف عن الأعمال الحرفية أو الصناعية، وأن يدفع البلاد - في الوقت نفسه - إلى أن تأخذ بأهم عناصر القوة في هذا العصر وهو «الصناعة».. ولقد نجح في ذلك بحمد الله.

ولقد استمر الدفع إلى التصنيع من بعد.. ولئن تعذر استعراض جميع المراحل في هذا المقال المحدود الكلمات، فإننا نمثّل لاستمرار الدفع إلى التصنيع بـ«خطة التنمية الثالثة» الصادرة قبل 30 عاماً، إذ انتظمت هذه الخطة فصلا كاملا موسعا عن «التصنيع».. نقرأ في هذه الخطة: «تتركز السياسة الصناعية في المملكة على دعم الظروف المواتية لنمو الصناعات.. ولقد التزمت الدولة بتقديم الحوافز التشجيعية، والحماية للصناعات المحلية.. ولقد تحقق تقدم كبير في إقامة التجهيزات الأساسية، ولا سيما المناطق الصناعية التي أنشئت في جدة والرياض والدمام.. ومن الحوافز التي توفرها الدولة للصناعة الوطنية: تقديم قروض من صندوق التنمية الصناعية السعودي.. وإعفاء المعدات والمواد الأولية المستوردة من الرسوم الجمركية.. والإعفاء الضريبي.. وتقديم المساعدات في مجال الدراسات والتشغيل.. وتقديم الإعانات لتدريب الأيدي السعودية العاملة».. ثم شهدت نهضة التصنيع خطوات موسعة من خلال المدن الصناعية الضخمة في الجبيل وينبع وغيرهما.. وهي خطوات أثمرت إنتاجا صناعيا في أكثر من حقل: أثمرت الحديد والصلب والإسمنت والألمنيوم والبلاستيك والبتروكيماويات والزجاج ومشتقاته والمصنوعات الخشبية والأقمشة والملابس والمواد الغذائية والمشروبات.. إلخ.. إلخ.

ثم جاءت «القفزة النوعية» بإنتاج السيارة «غزال 1» لتعطي مؤشراً جديداً إلى التوغل الطموح في «حقبة التصنيع» الشاملة بعون الله جل ثناؤه.

ولا يستقيم الحديث عن هذه القفزة الصناعية النوعية دون الحديث عن «المناخ» الذي تحققت فيه، ونعني به مناخ جامعة الملك سعود العملاقة.. ففي هدوء علمي تام، وبطموح وطني محسوب ومدروس، وبرؤية مستقبلية مستبشرة احتضنت هذه الجامعة هذا الإبداع، وعكفت على هذا الإنتاج عكوفاً انتهى برؤيته الحية السعيدة على أرض الواقع، وهو واقع ينقض كل دعوى تزعم أن العقل العربي عاجز - بحكم تركيبه «!!» - عن الإبداع والإنتاج، وعن تقديم إضافات جديدة وأصيلة إلى حضارة الإنسان.. لقد جددت جامعة الملك سعود الثقة بدور الجامعات الكبرى - في عالمنا الإنساني الواسع - في قيادة النهضات العلمية والتقنية والصناعية، بل جددت الثقة في جامعات عريقة - في تاريخ حضارة المسلمين - أسهمت بحظ وافر في بناء الحضارة الإسلامية والإنسانية عبر منظومة حقيقية وراقية من المبتكرات والمخترعات والصناعات - وفق تعبير العالم الأيرلندي الموسوعي الكبير جون برنال الذي قال: «ومن ثم تدفقت في هذا المجرى المشترك سلسلة من المخترعات لم تكن متاحة أو معروفة للتكنولوجيا اليونانية أو الرومانية. وقد أدت هذه المخترعات العلمية الآتية من علوم المسلمين وحضارتهم إلى قيام صناعات مثل: صناعة: الصلب. والصيني. والحرير. والورق. وهذه بدورها أرست قواعد أخرى استطاعت أن تحفز الغرب على ثروته التكنولوجية والعلمية الكبرى في القرنين: السابع عشر والثامن عشر».

المصدر: جريدة الشرق الأوسط
 
 
 
wikipedia facebook twitter rss YouTube